السعودية صراع العرش .. ولي العهد محمد بن سلمان 32 عاما يسجل ارقاما قياسية في التورط بالازمات وزعزعة الاستقرار والعدوان

بدعم كامل من الملك والده ٫ يواصل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عملية إحكام قبضته على البلاد بوتيرة متسارعة، ومعه تواصل المملكة دفع فاتورة مشروع سياسي غير واضح المعالم لشاب قرر منذ ظهوره على الساحة قبل عامين، جرّ نحو 90 عاماً من الاستقرار في طريق يلفه ما وصفه وزير الخارجية الألماني بـ”المغامرة”.

ورغم وجود والده الملك سلمان بن عبد العزيز في سدة الحكم فإن العالم كله بات يدرك أن الأمير محمد، حديث السن والعهد بالسياسة – 32 عاما – ، هو الحاكم الفعلي للبلد الذي لم يعرف منذ نشأته إلا حكم كبار السن من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز.
وكانت صحيفة “ناتشينال إنتريست” الأمريكية قد قالت وقت بدء الأزمة الداخلية: إن “الاعتقالات الأخيرة التي قام بها بن سلمان أذهلت الجميع، وستضرب الاتفاقيات الرئيسية التي عُقدت بين العائلة المالكة السعودية ومختلف دول العالم”.
وأوضحت أن “نظام الحكم في المملكة حتى الآن ينطوي على توزيع السلطة بين مختلف فروع العائلة المالكة، لكن مع الاعتقالات الأخيرة فإن وليّ العهد يضرب بهذا النظام عُرض الحائط”.
يضاف إلى ما سبق أن التوتر المتزايد مع إيران قد يدخل المملكة في نفق مظلم من الحروب بالوكالة التي تجيدها طهران، والتي تبدو آثارها جلية على السعودية في اليمن، كما يقول الخبير الاستراتيجي المصري اللواء عادل سليمان.

في العام 2015 ظهر بن سلمان في صورة وهو يضع مسدسه على جانبه، متابعاً العمليات التي بدأها التحالف العربي بقيادة السعودية، وكأنه كان يعتقد أنه ذاهب هناك لالتقاط الصور ثم العودة بنصر عسكري يبدأ به حياته السياسية.
لكن اليوم، وبعد نحو 3 سنوات، لم يحقق بن سلمان٫ من هذه الحرب إلا أن وضع شرايين الاقتصاد السعودي في فك مصاص دماء اسمه الحرب، ووضع الجار الفقير (اليمن) على شفا المجاعة.
وبينما كانت الرياض، قبل أقل من 3 شهور، تبحث في العراق ورموزه من الشيعة عن باب خلفي يمكنها من خلاله الدخول إلى تفاهم ولو غير معلن مع إيران، بحثاً عن مخرج من مستنقع اليمن، فاجأ بن سلمان العالم بمغامرتين جديدتين إحداهما داخلية مع أبناء عمومته والأخرى خارجية مع حزب الله ومن خلفه لبنان وإيران، واضعاً بلاده أمام نزيف سياسي ودبلوماسي واقتصادي جديد.
ففي رهان جديد، وقبل أن يتخلص من تبعات فشل رهان حصار قطر، قلب بن سلمان الطاولة على لبنان؛ فأرغم رئيس حكومته سعد الحريري على الاستقالة من منصبه، في خطاب بثّ من الرياض (4 نوفمبر 2017) ، ثم أبقاه في السعودية قرابة 15 يوماً، حتى تدخل الغرب لإطلاق سراحه.
وفي اليوم نفسه، صفع ولي العهد السعودي أمراء آل سعود على وجوههم على مسمع ومرأى العالم، وصنع مذبحة اعتقالات هي الكبرى، وربما الأخطر، في تاريخ المملكة.
التصعيد السعودي الأخير على مختلف الجبهات، لا سيما في لبنان، دفع صحف الغرب ومسؤوليه إلى وصف بن سلمان بـ”المتهور” أو “المغامر”، بعدما بدا وكأنه يفكر بعد أن يتحرك وليس العكس.
احتجاز سعد الحريري في الرياض كان سبب الصفعة الدبلوماسية الأشد للرياض خلال الفترة الأخيرة، إذ صعّدت الدبلوماسية اللبنانية من لهجتها ضد الرياض واتهمتها صراحة باعتقال رئيس حكومتها، ووصل الأمر إلى وصف الرئيس اللبناني، ميشال عون، لما يحدث بأنه “عدوان” على بلاده، ما استدعى تدخلاً فرنسياً في القضية.
التدخل القوي للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يبدو أنه كان مؤثراً وفعّالاً؛ إذ التقى الرجل بولي العهد السعودي في زيارة خاطفة أجراها للرياض الأسبوع الماضي، ليخرج بعدها مؤكداً أنه سيستقبل الحريري في باريس في غضون ساعات، وهو ما تم بالفعل السبت (18 نوفمبر 2017).
كل التقارير تؤكد أن الحريري كان رهن الاعتقال وأنه ربما ينضم لمعتقلي فندق الريتز كارلتون من أمراء آل سعود ووزرائهم، خاصة أنه يحمل الجنسية السعودية، وحتى عندما سُمح له بإجراء حوار مع قناة المستقبل اللبنانية، بدا الحريري وكأنه يتحدث والمسدس خلف رأسه، بيد أن كل هذه الأمور انتهت بكلمة من الرئيس الفرنسي.

خروج رئيس الوزراء اللبناني من الرياض إنفاذاً لكلمة قالها الرئيس الفرنسي، اعتبره البعض إهانة للرياض التي منعتها جنسية الحريري الفرنسية من الإبقاء عليه، رغم ما أثير حوله من شبهات فساد شأنه شأن أمراء المملكة، فضلاً عن أنه مواطن سعودي أيضاً.
وفي سياق خساراتها الدبلوماسية من جرّاء مغامرات ولي عهدها، استدعت السعودية سفيرها في ألمانيا للتشاور، وأعلنت (السبت 18 نوفمبر 2017)، أنها ستسلم سفير ألمانيا لديها مذكرة احتجاج على تصريحات وزير الخارجية الألماني، زيغمار غابرييل، التي وصفتها بأنها “مشينة وغير مبررة”.

جاء هذا في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، تعليقاً على تصريحات لغابرييل وصفتها بأنها “غير صحيحة”، وجه فيها انتقادات شديدة للسياسة الخارجية للمملكة، وخصوصاً في تعاملها مع رئيس الوزراء اللبناني المستقيل، سعد الحريري.
وكان وزير الخارجية الألماني انتقد خلال لقاء عقده، الخميس 16 نوفمبر 2017، مع نظيره اللبناني جبران باسيل في برلين، بشدة تصرفات السعودية مع الحريري، ووصفها بأنها “ليست معتادة”.
وقال الوزير الألماني: “إن هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا إلى أن (روح المغامرة) التي تتسع هناك منذ أشهر عدة لن تكون مقبولة، ولن نسكت عنها”.
الأمير الذي كان قبل 3 أسابيع يتحدث عن مشاريع استثمارية عملاقة، يضع ذويه اليوم قيد الاحتجاز ويساومهم على ملياراتهم لقاء الحصول على حريتهم، في تطور لم تعرفه المملكة التي تعتبر كل من يحمل لقب آل سعود خطاً أحمر، واضعاً أدبيات بلاده القائمة على تماسك الأسرة الحاكمة على شفير التفكك في مقامرة سياسية واضحة.

وبعد أسبوعين من أزمات سياسية حذرت صحف غربية من أنها قد تعصف بالمملكة، كشف تقرير صحفي نشره موقع “ميدل إيست آي”، عن تعرض 6 من الأمراء السعوديين المعتقلين في فندق “ريتز كارلتون” بالرياض، لتنكيل شديد استدعى نقلهم إلى المستشفى.
وأبرز الأمراء الذين تعرضوا للتعذيب هو الأمير متعب بن عبد الله، الذي كان يعتبر غريماً لولي العهد محمد بن سلمان الذي يقود حملة غير مسبوقة ضد عدد من أبناء عمومته وشخصيات أخرى؛ لتمكين سيطرته على البلاد، تحت شعار مكافحة الفساد.
ولم يفعل أي من أعمام بن سلمان الراحلين الذين حكموا المملكة طيلة 8 عقود خلت ما أقدم عليه الأمير الشاب، الذي لم يجلس على عرش السعودية بعدُ، بل كانت هناك هوامش مقبولة في التعامل مع أفراد الأسرة وطبقة رجال الأعمال ورجال الدين، وكانت السر في الحفاظ على استقرار البلاد.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.