موقع خبري بريطاني يكشف عن رشاوي قدمها النظام السعودي لنواب بريطانيين من حزبي المحافظين والعمال لدعم سياساته العدوانية

كشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن أعضاء من حزبي المحافظين والعمال في البرلمان البريطاني تلقوا رشا من السعودية، في وقت تشهد فيه بريطانيا ارتفاعا في وتيرة ما سماه “جهود اللوبي المؤيد السعودية”.

ونشر الموقع الخبري يوم امس السبت تحقيقا حصريا يشير إلى أن نوابا من حزب المحافظين وآخر من حزب العمال تلقوا أموالا من السعودية لـ”تبييض سمعتها”، لافتا إلى وجود شكوى لدى “الهيئة التي تراقب الالتزام بمعايير البرلمان بشأن وقوع انتهاك لقواعد الكشف عن المصالح المالية”.
ويشير التقرير الذي أعده “جامي ميريل” إلى أن الكشف عن هذه المعلومات يأتي في وقت تواجه فيه بريطانيا دعوات “لوقف تصدير السلاح إلى السعودية والضغط عليها لرفع الحصار الذي تفرضه على اليمن حيث تتهم بارتكاب جرائم حرب”.
وجاء في التقرير : أن أعضاء برلمان من حزب المحافظين تلقوا هذا العام ما يقرب من مائة ألف جنيه إسترليني (ما يعادل 133 ألف دولار) من السعودية على شكل إقامة في فنادق فاخرة وتذاكر طيران درجة رجال الأعمال وضيافة، الأمر الذي حفز على توجيه شكوى إلى الهيئة التي تراقب الالتزام بمعايير البرلمان بشأن وقوع انتهاك لقواعد الكشف عن المصالح المالية.
وتفيد الأرقام التي تم الحصول عليها مؤخراً من سجل مصالح الأعضاء أن ثلاثة عشر عضواً من أعضاء البرلمان التابعين لحزب المحافظين، بما في ذلك النائب “ليو دوتشري”، الرئيس السابق لمجلس شؤون الشرق الأوسط في حزب المحافظين، حصلوا على 87,467 جنيها إسترلينيا (ما يعادل 116,600 دولار) على شكل ضيافة قدمتها لهم الحكومة السعودية هذا العام، ما أثار القلق من أن أعضاء البرلمان يستخدمون لتبييض سمعة الحكومة في الرياض.
ولم يقتصر الأمر على نواب المحافظين، بل تلقى نائب تابع لحزب العمال، هو ليام بيرن، مبلغ 6,722 جنيها إسترلينيا (ما يعادل 8,964 دولارا) ما رفع فاتورة اللوبي السعودي إلى 94,189 جنيها إسترلينيا (ما يعادل 126,939 دولارا) لنواب من كافة الأحزاب.
واشتملت الضيافة على السفر في درجة رجال الأعمال، والإقامة في فنادق فارهة، ولقاءات مع الملك سلمان ومسؤولين رفيعي المستوى. وتشير أرقام السجل الرسمي في البرلمان إلى أن الحكومة السعودية ضاعفت إنفاقها على مثل هذا النوع من الضيافة ثلاثة أضعاف مقارنة بما كان عليه الحال في عام 2016.
وجاءت زيارة إحدى المجموعات قبل أن يوجه دوتشري ونواب آخرون أسئلة إلى حكومة تيريزا ماي حول التعاون الدفاعي مع المملكة حاثين إياها على بيع السعودية طائرات مقاتلة من نوع “يورو فايتر تايفون” التي تصنعها مؤسسة “بي إيه إي سيستمز” البريطانية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مزاعم بالحصول على منافع مقابل توجيه أسئلة إلى رئيسة الحكومة داخل البرلمان.

وتظهر آخر الأرقام الواردة حول سجلّ فوائد أعضاء البرلمان أن 13 نائبًا محافظًا، بمن فيهم الرئيس السابق لـ”مجلس الشرق الأوسط المحافظ”، ليو دوكيرتي، قبلوا ما مجموعه 116.600 ألف دولار من الضيافة في السعودية هذا العام وحده فقط. وبحسب الموقع البريطاني، فإن ذلك قد يثير المخاوف من أن هؤلاء النواب كان يتمّ “استعمالهم لغسل سمعة الحكومة في الرياض”.

يأتي الارتفاع في جهود اللوبي المؤيد للسعودية في الوقت الذي تتعرض فيه علاقات المملكة مع بريطانيا لرقابة متزايدة في أوساط المؤسسة الحاكمة بعد أن اتهم نائب عن حزب المحافظين، هو أندرو ميتشيل، حكومة بريطانيا هذا الأسبوع بالتواطؤ الخطير مع الرياض في سياستها تجاه اليمن والتي نجم عنها انتشار المجاعة وممارسة العقوبات الجماعية بحق كافة سكان البلاد.
وتشير المعلومات المدونة في سجل “مصالح أعضاء البرلمان” إلى أن المملكة العربية السعودية كثفت جهودها في مجال اللوبي منذ بدء الحرب في اليمن عام 2015، وأن نواباً في حزب المحافظين تلقوا ما يزيد على مائة وثلاثين ألف جنيه إسترليني (ما يعادل 173,300 دولار) على شكل ضيافة منذ بدء الصراع المسلح والذي راح ضحيته حتى الآن ما يزيد على مائة ألف قتيل.
وفي شهر سبتمبر/ أيلول، قاد النائب دوتشري وفداً من أربعة نواب في زيارة إلى السعودية استمرت ستة أيام، قابل الوفد خلالها الملك سلمان في قصر السلام. وبحسب ما جاء في السجل فقد دون كل واحد من النواب أنه استلم تبرعاً من وزارة الخارجية السعودية قدره 7,900 جنيه (أي ما يعادل 10,400 دولار)، وتضمن ذلك تذاكر سفر في درجة رجال الأعمال وإقامة في فندق فاخر ووجبات وتنقلات وضيافة.
وتنص قواعد السلوك في البرلمان على أنه يتوجب على النواب الكشف عن المصالح المالية أو الفوائد والمنافع التي يجنونها، بشكل مباشر أو غير مباشر، إذا ما شاركوا في حوارات تجرى داخل البرلمان أو إذا ما وجهوا أسئلة إلى الحكومة.

إلا أن التحقيق الذي أجراه موقع “ميدل إيست آي” يكشف عن أن النائب دوتشري، وهو ضابط سابق في الجيش البريطاني خدم في العراق وفي أفغانستان، لم يعلن عن زيارته إلى السعودية حينما وجه في الشهر التالي للزيارة سؤالاً مكتوباً إلى رئيسة الحكومة حول صادرات السلاح البريطانية إلى السعودية مؤيداً دعم وزارة الدفاع لعلاقات أوثق مع الرياض.
وجراء إخفاق دوتشري في الكشف عن رحلته إلى السعودية قام النائب توم بريك، من حزب الأحرار الديمقراطيين، برفع شكوى رسمية إلى المفوض البرلماني للمعايير مطالباً بالتحقيق مع النائب دوتشري.
وتنص المعايير التي تحكم سلوك أعضاء البرلمان البريطاني على ما يلي: “على أعضاء البرلمان الوفاء بدقة وعناية بمتطلبات البرلمان في ما يتعلق بتسجيل المصالح في سجل المصالح المالية للأعضاء. وينبغي عليهم أن يكونوا دوماً منفتحين وصادقين في لفت الانتباه لأي مصالح ذات علاقة بأي إجراءات تتم داخل البرلمان أو في أي من لجانه، وفي أي اتصالات تجرى مع الوزارات المختلفة أو مع الأعضاء الآخرين أو مع مسؤولي الدولة وموظفيها”.
وفي خطاب وجهه هذا الأسبوع إلى كاثرين هادسون، المفوض البرلماني للمعايير، كتب النائب بريك يقول: “لقد أخفق السيد دوتشري في لفت الانتباه إلى ما دونه في سجل مصالح الأعضاء وإلى الزيارة التي قام بها إلى السعودية حينما طرح تلك الأسئلة، ولذلك فإنني أعرب عن مخاوفي من أن السيد دوتشري قد انتهك معايير السلوك”.
وكان السيد دوتشري والوفد البرلماني المرافق له التقوا خلال زيارتهم بأعضاء في مجلس الشورى، وهو كيان غير منتخب يقوم الملك بتعيين أعضائه.
وحاول موقع “ميدل إيست آي” الحصول على تصريح من النائب دوتشري، وهو بالمناسبة عضو في لجنة الدفاع البرلمانية، ولكنه لم يستجب.

تشير إحصاءات رسمية إلى أن حجم صادرات الأسلحة والمعدات العسكرية من بريطانيا إلى السعودية خلال النصف الأول من العام الجاري عام 2017 تجاوز 1.1 مليار جنيه استرليني، مع قفزة حادة منذ فصل الربيع.

وأظهرت الإحصاءات الصادرة عن هيئة التجارة الدولية (الحكومية) أن لندن باعت للرياض أسلحة ومعدات بقيمة 836 مليون جنيه إسترليني في فترة ما بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران، مقارنة مع 280 مليون جنيه فقط بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار.

وذكرت صحيفة “غارديان” البريطانية في تقرير أصدرته اليوم الثلاثاء أن هذه المشتريات تضم صواريخ جو-جو، وبنادق قناصة وأجهزة طائرات، بالإضافة إلى معدات مكافحة الشغب والدروع الباليستية والواقية، مذكرة أن السعودية كانت بين أولى الدول التي زارتها رئيسة الوزراء تيريزا ماي بعد انطلاق إجراءات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس/آذار.

واستدعت هذه الأرقام انتقادات من قبل الديمقراطيين الليبيراليين الذين طالبوا الحكومة بتجميد الصادرات العسكرية إلى السعودية بسبب الاتهامات الموجهة إلى التحالف العربي الذي تقوده الرياض بارتكاب جرائم حرب في اليمن.

تجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة أدرجت التحالف العربي في قائمة مخالفي حقوق الأطفال في اليمن في تقريرها السنوي، وانتقدت السعودية هذا القرار بشدة .
وما لبثت السعودية تُحكم من قبل آل سعود منذ عام 1932، حيث تفرض الحكومة فيها قيوداً صارمة على كل النشاطات السياسية والحريات المدنية تقريباً، بحسب ما جاء في توصيف “فريدام هاوس”، المؤسسة الأمريكية التي ترصد أوضاع الحريات والديمقراطية حول العالم.
وبحسب ما تقوله منظمة العفو الدولية فإن اللجوء إلى التعذيب وتطبيق عقوبة الإعدام يظل أمراً شائعاً، كما أن السلطات تقيد حقوق حرية التعبير والتجمع، وكثيراً ما تعتقل معارضيها وتودعهم في السجون.
وفي تصريح لموقع “ميدل إيست آي”، قال النائب بريك: “يكفينا سوءاً أن الحكومة تخفق بشكل دائم في التنديد بسجل السعودية المريع في مجال حقوق الإنسان، وها نحن الآن نرى فرقاً من نواب البرلمان يتمتعون بالقيام برحلات مجانية على حساب النظام في السعودية”.
وأضاف: “مهمة نائب البرلمان هي الرقابة على الحكومة وعلى علاقاتها بالأنظمة في الدول الأخرى. وحينما يكون النائب على علاقة ودية بتلك الأنظمة فإن من غير المحتمل أن يتمكن من القيام بمهمة الرقابة على سلوك الحكومة البريطانية”.
وتأتي الرحلات التي قام بها إلى السعودية مؤخراً نواب في البرلمان البريطاني في وقت تواجه فيه بريطانيا دعوات لوقف تصدير السلاح إلى السعودية وللضغط على المملكة لرفع الحصار الذي تفرضه على اليمن حيث تتهم بارتكاب جرائم حرب.
وفي الأسبوع الماضي حذرت منظمة “أنقذوا الأطفال” من أن خمسين ألف طفل قد يقضون نحبهم بنهاية هذا العام بسبب المرض والجوع الناجم عن الصراع.
وفي تصريح لموقع “ميدل إيست آي”، قال أندرو سميث، الناطق باسم الحملة ضد تجارة السلاح: “يبدو أن النظام السعودي يقدم الضيافة والمنافع الأخرى مقابل الأسئلة والنفوذ. من خلال قبولهم بهذه المنح والمنافع فإن النواب يجازفون ببعث رسالة دعم للنظام وإضفاء شرعية على انتهاكاته المريعة لحقوق الإنسان. كان ينبغي على هؤلاء النواب استخدام مواقعهم للتنديد بتواطؤ الحكومة البريطانية في ما يجري من عمليات تدمير وتخريب لليمن والدعوة إلى تغيير حقيقي وذي معنى، وعدم تقبل الهدايا من أي نظام دكتاتوري وحشي في العالم”.

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.