أكد الخبير السياسي العراقي أزهر الخفاجي إن تزايد الرفض الشعبي و المرجعي للاتفاقية الستراتيجية الامنية طويلة الأمد ، التي تحرص واشنطن ، و مازالت ، على توقيعها مع بغداد حتي نهاية تموز الجاري ، دفع الإدارة الامريكية للمناورة واضطرها للبحث عن بدائل اخرى .
شكلت الاتفاقية الامنية طويلة الامد التي تحرص واشنطن على توقيعها مع العراق ومازالت حدثا داخليا واقليميا كبيرا،اثار كثيرا من التساؤلات والتكهنات بشانها وبالمخاطر التي تشكلها للعراق ولمنطقة، كما اثارت معارضة عراقية واسعة لها ، لذا بدأت تقاريرامريكية تتحدث مؤخرا عما يسمى " باتفاقية الجسر " كبديل لها ، وبهذا الصدد التقت وكالة انباء فارس، السياسي العراقي ومدير عام اذاعة صوت العراق ازهر الخفاجي ، لتساله عن الاتفاقية الامنية هذه وفيما اذا كان هذا التغيير في عنوانها ، يشكل تغييرا حقيقيا في المضامين ،وماهي المخاطر الحقيقية لمثل هذه الاتفاقية ، فاجاب الخفاجي قائلا :
ان اي حديث عن تعديلات تتم اضفاؤها على الاتفاقية الامنية طويلة الامد المزمع توقيعها بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة ، سواء في عنوانها الاساسي واستبدالها بوثيقة الجسر او مذكرة التفاهم ، او في استبدال صياغة بنودها الداخلية بعبارات وبنود اخرى ، انما هي محاولات ومناورات ، لاتمس جوهر الاهداف المرجوة من هذه الاتفاقية الامنية ، وان جرى الاقتراح بتقليص فترتها الزمنية ، او يتم الاقدام على تقليص سقف المطالب الامريكية .
فالهدف من هذه المقترحات لاستبدال عناوين للاتفاقية غير عنوانها الاول ،هو محاولة للالتفاف على فكرة المعارضة الشعبية للاتفاقية ولامتصاص بعض من هذا الرفض الشعبي الواسع لها ومحاولة لخداع الراي العام العراقي .
كما ان هذه المقترحات الجديدة والعناوين البتكرة لها هدفه بالدرجة الثانية ، اظهار المفاوض العراقي بمظهر" المقتدر" الذي ينتزع حقوق الشعب العراقي من المفاوض الامريكي .في وقت توجد شكوك متنامية حول مقدرة هذا المفاوض العراقي الذي يشكل فريقه مجموعة من الاشخاص لم تكشف عن اسمائهم وعناوينهم الوظيفية جميعا، لاسباب امنية .
*وهل ثمة شكوك بقدرة المفاوض العراقي على التفاوض مع الجانب الامريكي وحماية مصالح بلاده ؟
- لاشك ان قدرة المفاوض العراقي محدودة جدا، اذا ماقورنت بالتجربة الكبيرة التي يمتلكها المفاوض الامريكي وبخاصة السفير ساترفيلد منسق شؤون العراق في الخارجية الامريكية وهو بلا شك يعتبر" عراب " هذه الاتفاقية ، وكذلك القدرات الدبلوماسية التي يمتلكها السفير رايان كروكر الذي كان يدير ملف شؤون العراق في الخارجية الامريكية عام 2002 قبل ان يستلم مهام عمله في اسلام اباد التي غادرها ليمثل بلاده في العراق في نهاية شهر مارس من العام المنصرم .
والذي يزيد الشكوك في قدرة المفاوض العراقي في اداء هذه المهمة التفاوضية، هو تصريح وزير الخارجية هوشيارزيباري الاخير، بعد عودنه من مناقشة عامة للاتفاقية جرت في مجلس النوب العراقي مطلع هذا الشهر ، حيث اشار وبشكل خطير الى مانصه " ان اية عملية تفاوض جارية بين جانبين ، تتطلب من الجانبين ، التنازل وابداء الليونه للوصل الى اتفاق "!!
هذا الاعلان وهذا الطلب للتنازل .. شكل صدمة حقيقة للعراقيين ، اذا انها تمثل اقرارا خطيرا بان المفاوض العراقي مدعو للتنازل خاله حال الجانب الامريكي المدعو للتنازل !!
واننا نتساءل كيف يدعو ويطلب الوزير الزيباري الذي يشكل الرجل الثاني ربما في هذا التفاوض بعد السيد برهم صالح نائب رئيس الوزراء الذي يقود التفاوض ، كيف يطلب تنازلا من الجانب العراقي من اجل التوصل الى اتفاق..؟
ان من المسلمات الاولية والامر الطبيعي الذي ينبغي ان يسود في التفاوض الجاري مع الجانب الامريكي ،هو ان اية فقرة وبند من بنود الاتفاقية يجب مناقشتها على قاعدة واحدة وواحدة فقط لاغير ، وهي مدى تتطابقها مع شروط السيادة من عدمه ، فاذا كان الامر كذلك ، فان اي دعوة لابداء بعض التنازل، اوالمطالبة بهذا التنازل، انما هي دعوة للتنازل عن مساحة من مساحات السيادة التي تظل تشكل خطوطا حمراء في كل المرافق .
واضاف الخفاجي قائلا : ومن الامور التي تزيد مخاوف الشعب العراقي من هذه الاتفاقية ، انها تتم في ظل وجود اطراف في الفريق العراقي المفاوض، ممن يتصف بالحماس والرغبة الجامحة لتوقيعها وكسب صداقة الجانب الامريكي وثقته ، وهذا الامر يشكل هو الاخر،عاملا اخر ، يعزز مبررات المعارضين للاتفاقية ويزيد من الخشية والحذر والريبة من بنودها ، ومن امكانية " تلغيم " فقراتها وعباراتها بمضامين تخدم الموقف الجانب الامريكي على حساب السيادة بكل مرافقها في العراق .
* اذن تعتقدون ان هذه الاتفاقية الامنية وما تسرب منها من معلومات خطيرة بشان حجم وزمن ومساجة التواجد الامريكي في العراق ، شكلت كل هذا الرفض الشعبي والسياسي لها ، فهل تعتقدون ان بديلها " اتفقية الجسر " ستكون صورة اخرى مغايرة غير صورة الاتفاقية الامنية المقترحة حاليا؟.
- لابد من الاشارة اولا الى ان الرفض الشعبي الواسع والرفض المرجعي الذي صدر من عدة مرجعيات دينية تعارض الاتفاقية وتحذر من ابرامها ، شكلت ضربة قاصمة لجهود سرية وعلنية واسعة بذلها بشكل مشترك المفاوض الامريكي والمسؤولون في واشنطن لتسويقها وكذلك جهود اعلامية وسياسية بذلتها جهات سياسية ومسؤولون عراقيين لتعزيز عملية تسويق الاتفاقية الامنية اعلاميا وسياسيا !
والحديث عما يسمى بمسعى امريكي لاستبدالها باتفاقية اخرى تعرف بـ " اتفاقية الجسر " هو تطور نوعي لاشك في ذلك من حيث الشكل ، لان ماترشح عنها امريكيا كما اشارت" الواشنطن بوست" ينناول الحديث عن مضامين جديدة فيها ، مثل تحديد سقف زمني لوجود القوات الامريكية في العراق بدلا من الاتفاقية الامنية طويلة الامد ، الا ان ذلك وغيرها من التعديلات كلها مرهونة بالمحتوى الحقيقي لهذه الاتفاقية وليس مرهونا بتغيير الاسم والعنوان ، فهل المقترحات الجديدة لبنودها ، هي حقا محدود بفترة زمنية ، ام ان هذه الاتفاقية ستكون " جسرا" كما هو اسمها الجديد، ولكنه جسر لبقاء عسكري طويل الامد وشبه دائم ومتشعب الاهداف في العراق مرهون برغبة الجانب الامريكي لتمديده وقتما شاء .
*اذن انتم متخوفون ايضا حتى من هذا النوع من الاتفاقية الامنية ؟
ان التحوف مرده ، عوامل عديدة ، اولا ان الجانب الامريكي لم يعط دليلا واحدا على التزاماته التي يقطعها في الشؤون الامنية وغيرها في العراق حتى الان ، فعمليات تسليم الملف الامني في المحافظات التي شملت ثمان محافظات بعد تسليمها في محافظة القادسية يوم امس الاول ، اثبتت عدم التزام القوات الامريكية بها والاستخفاف بها ، ففي محافظة كربلاء المقدسة جرت مؤخرا عملية انزال لقوات خاصة امريكية في مسقط راس السيد نوري المالكي رئيس الوزراء منطقة " جناجة " في قضاء الهندية وقتلت مواطنا واعتقلت اخرين ، دون ان تكلف قوات الاحتلال نفسها لابلاغ السلطات الامنية في المحافظة بالعملية قبل تنفيذها حتى مجرد الاخبار وليس اخذ الاذن منها للشروع بتلك العملية، ونفس التجاوز والاستخفاف بالسيادة الامنية المحلية التي اعلن عن استرداد بعض المحافظات الاخرى للملف الامني فيها ، تم تكراره في الناصرية والعمارة واماكن اخرى . لذا فهذا دليل على عدم التزام القوات الجانب الامريكي بتعهداته .
ومن الاسباب التي تدعو الى التخوف ايضا من اية اتفاقية امنية من هذا القبيل مع الولايات المتحدة ، هو تعمد وقوف الجانب الامريكي عقبة في تنفيذ قرارت الحكومة ومجلس النواب متى شعر الحانب الامريكي انها قرارات ومواقف تضربمصالحه ونفوذه في العراق ، والمثال الساطع على ذلك هو توفير الجيش الامريكي الحماية الكاملة لاعضاء تنظيم مجاهدي خلق في العراق وحماية قاعدة اشرف العسكرية الخاصة بهم في بعقوبة ، رغم الاعلان الرسمي باعتبار هذه المنظمة واعضائها غير مرغوب ببقائهم في العراق ، بل ان النائب محمد الدايني الذي يعتبر صديقا لقيادات هذه المنظمة والمدافع عنها قالها بصراحة "ان هذه المنظمة باقية في العراق ولن تمس بسوء لانها تحظى بحماية القوات الامريكية والحكومة العراقية تعجز عن التعرض لها باي ضرر"!! .
اذن .. كل هذه التصرفات لاتعطي مجالا للثقة بالتعهدات الامريكية ، بخلاف ان مقترح هذه الاتفاقية الامنية ، جرى تحميله على الجانب العراقي ، حيث اعتقد انا شخصيا ،بان السيد رئيس الوزراء نوري المالكي اضطر الى توقيع اتفاقية غير ملزمة مع الجانب الامريكي في زيارته لواشنطن في السادس والعشرين من اب في العام المنصرم ،وكانت الفقرة الاخيرة منها تدعو الى" اجراء مباحثات سريعة لتوقيع اتفاقية امنية طويلة الامد بين الولايات المتحدة والعراق على ان توقع قبل نهاية 13 تموز الحالي" !! فهذه العبارة واضحة الدلالة بان الدعوة لتوقيع الاتفاقية جاءت في ظروف غير طبيعية تماما بل والمفردات والعبارات التي صيغت بها الدعوة لتوقيع هذه الاتفاقية الامنية ، تترك ظلالا من الشك بان هذه الفقرة وهذه الدعوة للاتفاقية وبهذه الفترة المحدودة كلها جرى تحميلها على المفاوض العراقي انذاك في واشنطن لظروف خاصة ، ولعلي اجد بعض مبرراتها ، جو التفجيرات والعمليات الارهابية التي كانت تعصف في بغداد والمدن العراقية والتي ينفذهها تنظيم القاعدة وفلول النظام البعثي واطراف اخرى يهمها ان تظهر العراق بمظهر البلد الذي لايطرد الارهاب منه الا القوات الامريكية والدعم الامريكي .!!
* هل ثمة مخاوف من ان تكون هذه الاتفاقية غطاء لاستخدام القوات الامريكية قواعدها في العراق للعدوان على دول مجاورة ؟
- لاشك ان القواعد العسكرية الامريكية في العراق ،هي سلسلة متصلة مع شبكة معقدة من القواعد العسكرية الامريكية في المنطقة ، وكلها مسخرة لتنفيذ الاستراتيجية العسكرية الامريكية في المنطقة ،وهي معدة لصد اي هجوم قد تتعرض لها هذه القوات او تنفيذ عمليات هجومية ضد اهداف مختلفة
والقواعد العسكرية الحالية في العراق بخلاف ما تحتضنه ، من مختلف الاسلحة من الطائرات والدبابات والاليات والذخائر، التي تزيد بعشرات المرات حاجة الجيش الامريكي لتنفيذ اية عمليات عسكرية داخل العراق ، تعززالاعتقاد بان هذه الامكانات ، ليس هدفها تنفيذ عمليات داخل العراق ،و انما هي تحضير لاية عمليات واسعة ومفاجئة قد يفرضها قرار تصدره قيادة هذه القوات في اي وقت كان لقيام هذه القوات بتنفيذ عمليات واسعة خارج العراق .
ولاشك ان موقع العراق المجاور لايران والتهديدات الامريكية المتواصلة للجمهورية الاسلامية بشان ملفها النووي ، يدفع اي مراقب للاحداث الى القطع في القول بان هذه الذخائر والاسلحة المكدسة والقواعد الموزعة في شامل العراق وجنوبه ووسطه ، سوف تكونمرشحة دون شك للاستخدام في اي عدوان قد تشنه واشنطن ضد الجمهورية الاسلامية .
المصدر : وكالة انباء فارس