معركة الامعاء الخاوية .. هذه هي الصواريخ العابرة للقارات

معركة الأمعاء الخاوية التي فجرها ما يقرب من ربع عدد الأسرى في سجون الاحتلال البالغ عددهم نحو سبعة آلاف أسير، تتجاوز في أبعادها السياسية والمطلبية والأخلاقية، المعارك التقليدية بما في ذلك الانتفاضة الشعبية التي تستمر لفترات أطول، أو المعارك الحربية التي كان أطولها الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة عام 2014.

المضربون يوظفون حقوقهم التي أقرتها الشرائع الدولية، ويستخدمون إرادتهم وأمعاءهم الخاوية، وهم في عقر دار عدوهم، الذي يحتجزهم وينكل بهم في سجون أقامها في إسرائيل الدولة المحتلة، على خلاف ما تنص عليه اتفاقية جنيف الرابعة إزاء أسرى الحروب.

اسرائيل لاتستطيع استخدام اسلحتها النووية .. !!

في ميدان مكشوف، هو السجون، لا تستطيع إسرائيل أن تستخدم قدراتها النووية، ولا أسلحتها التدميرية المتفوقة، ولا حتى تستطيع الاستفادة من قدراتها على تضليل الرأي العام العالمي، حتى لو استخدمت كل ترسانتها الضخمة من وسائل الإعلام المملوكة لليهود، أو الموالية لها. في هذه المعركة ينجح الأسرى في أن يكفوا تماما اليد الأمريكية، التي لا تتأخر عن تقديم يد المساعدة والعون لحليفتها الاستراتيجية، لتصبح إسرائيل عارية تماما، عنوانها البارز ” قانون القومية ” العنصري الذي جرت الموافقة عليه بالقراءة التمهيدية في الكنيست الأسبوع المنصرم. تداعيات هذه المعركة، التي يتسع ميدانها، ليصل بصورة متزايدة، إلى أربع أركان الكرة الأرضية، وبدون أن يسمع الناس أصوات القذائف والانفجارات، وأزيز الطائرات المغيرة، وأيضا بدون أن ترهق وسائل الإعلام، بملاحقة الإعلانات عن أعداد الضحايا والجرحى والبيوت المدمرة، تداعيات هذه المعركة، تضع كل الفصائل الفلسطينية، بل ترغمها على إعادة التفكير في برامجها وأولويات الوسائل التي تلتزم بها في نضالها ضد الاحتلال، ومن أجل تحقيق الأهداف الوطنية.

الشعب المحتل لايستثني وسيلة تمكنه من هزيمة الاحتلال

من حيث المبدأ لا يمكن لشعب يقاوم احتلالاً، مهما كانت طبيعة هذا الاحتلال، لان يستثني أي وسيلة أو شكل كفاحي أقرته وثائق وقوانين الأمم المتحدة، غير ان حكمة القيادة تتجلى في أن تستخدم الأسلوب الكفاحي، الأكثر تأثيرا على العدو، والأقل تكلفة، والأجدى في الوصول إلى الأهداف. الشعب الفلسطيني جرب كل أشكال الكفاح، لكنه ينقسم اليوم بين من يرى أولوية الكفاح المسلح، ومن يرى أولوية الكفاح أو المقاومة الشعبية والدبلوماسية، بما في ذلك المفاوضات.
وعلى الرغم من أن هؤلاء وأولئك يعترفون بأن لا هذا الأسلوب لوحده وكأولوية، ولا ذاك الأسلوب لوحده كأولوية، نجح في تحقيق إنجازات كبرى بالقدر الذي يبثه الخطاب الفصائلي، إلا أن كلا منهما مصر على أنه يملك السلاح السحري في مقارعة العدو. المراجعات الداخلية النقدية للتجارب السابقة، لا تقترب من المساس بهذه الأولويات التي باتت أقرب إلى أيقونات مقدسة، حتى أضحت القفص الذي يأسر الأفكار، ويحبس عمليات التغيير الحقيقة المطلوبة انطلاقا من حسابات الصراع بين العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية.

اللعب في الملعب الاسرائيلي ..!!

بمعنى أو بآخر فإن الفصائل الرئيسية ما تزال مصرة على اللعب في الملعب الإسرائيلي، وبوسائله، وتضخم من سقف توقعاتها لما يمكن أن تحققه الإمكانيات المتواضعة التي تحوز عليها. تتجنب الفصائل التدقيق في بعض المسائل الحاسمة، من نوع أن إسرائيل دولة أسسها الجيش، على خلاف ما هو معروف في تاريخ قيام الدول، وأن هذا الجيش يتفوق على عدد من الجيوش العربية النظامية. لا تقف هذه الفصائل أمام الثمن الضخم الذي قدمه ويقدمه الشعب الفلسطيني من شهداء وجرحى، ودمار هائل، بالمقارنة مع محصلة الحروب التي يتعرض لها الشعب، فيبدو أن الإصرار على الاستمرار في استخدام الوسائل ذاتها، وفق الأولويات ذاتها، على أنه يخدم الصراع الداخلي، والبرنامج الفصائلي الخاص، أكثر من ما يستهدف تحقيق إنجازات وطنية. في الواقع فإن تنافر الاولويات بالنسبة لطرفي الانقسام، يجعل كل طرف منهما يستهدف محاصرة الآخر، والحط من نهجه السياسي وقدراته وخياراته.

اسرى ولكنهم قدموا مفاجئات فاضحة لدولة الاحتلال

هنا يتقدم الأسرى بنموذج آخر، بمبادرة أخرى، تنطوي على قوة هائلة، وتقدم نموذجا تستدعي الواقعية والموضوعية، بما يفرض نفسه على الكل الفلسطيني. لقد أربكت الحركة الإضرابية إسرائيل، وشلت قدرتها على المواجهة، إذ هي لا تستطيع تحمل تبعات استمرار الإضراب المفتوح، بما ينطوي عليه من مفاجئات فاضحة لدولة الاحتلال، ولا تستطيع الأخذ بخيار الاستجابة لطلبات الأسرى، ما يجعلها تتجرع طعم الهزيمة.

رهان اسرائيل وضغوط ترامب المقبلة على السلطة

تراهن إسرائيل على أن تجد شكل من أشكال المفاوضة والمساومة، التي تنقذها من هذه الورطة، وربما تتطلع لدور يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للضغط على القيادة الفلسطينية من أجل إنهاء الإضراب. وحتى في هذا الإطار فإن المسألة ستكون صعبة، ذلك أن من يقرر استمرار او وقف الإضراب هو من أتخذوا قرار خوضه، فإن جاءت النتائج في مصلحة القضية والشعب، ربما امتثلوا لقرار القيادة، وأما في حال لم يتحقق ذلك، فإنهم مواصلون ولا أحد يستطيع القاء اللوم عليهم. وفي الحالتين فإن مصلحة كل الأطراف الفلسطينية، المتفقة والمنقسمة، هي في أن يقف ويتوحد الكل الفلسطيني خلف الأسرى البواسل. لو أن مثل هذا التوحد كان ممكن لاقترحنا أن يجري تقسيم الأسرى السبعة آلاف إلى أربعة فرق، تبدأ الفرقة الثانية الإضراب المفتوح، وترتاح الأولى بعد شهر من دخولها الإضراب، وهكذا لنجد أنفسنا أمام انتفاضة عارمة طويلة الأمد، يخوضها الأسرى ويلتف حولها كل الشعب الفلسطيني، بكل قواه الحية. هذه هي صواريخنا العابرة للقارات .

طلال عوكل

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.